fbpx
منوعات

باتا باتا متانة وخياطة :قصة أشهر «جزمة» في مصر

بينما تميل الفتيات الصغيرات إلى الأحذية البيضاء التى تُعقد غالبًا بـ«فيونكة» جانبية، يحتار الفتيان بين الأحذية الكلاسيكية وبين خيارهم الأول «الكوتشى الأبيض»، والذى مرّ على قدم الغالبية العظمى من أبناء جيلي الثمانينات والتسعينيات، فهو المُرافق دائمًا لحصص الألعاب المدرسية ومباريات كرة القدم التى لا تنتهى، فيما يجد الشباب من الجنسين موديلاتهم المفضلة بين معروضات الشركة المتنوعة.«يا حلاوتك يا صندلى.. من باتا اجرى واشترى».. لخصت هذه الجملة الإعلانية علاقة المصريين بشركة «باتا» للأحذية، فكانت العائلة تذهب بجميع أفرادها في رحلة سنوية إلى محلات «باتا»، بالتزامن مع بداية الموسم الدراسي عادة، أو قبل الأعياد والمناسبات، لتبدأ رحلة «الحيرة والاختيارات» التى قد تدوم لساعات بين أحدث الموديلات التى يعرضها المحل.هذا هو ملخص حكاية محلات «باتا» مع العائلة المصرية، ماركة الأحذية الأشهر فى مصر، لكن لقصة الشركة الشهيرة فصول أخرى نستعرضها في هذا التقرير.

التأسيسوفى عام 1894، تحديدًا على تلال قرية زلين الواقعة فى جنوب جمهورية التشيك، بدأت حكاية «باتا» عندما اجتمع الأخوة الثلاثة توماس، انطونين، والأخت أنَّا فى محل والدهم البسيط واتفقوا على إنشاء مصنع للأحذية يواكب العصر – آنذاك – وقد كان، إذ تم إنشاء المصنع بمجهود الأخوة الثلاثة بالإضافة إلى 10 عمال فقط، وكان العمل يدوم طوال الأسبوع بحيث يتقاضى العمال رواتبهم فى نهاية كل اسبوع.استمر الأخوة فى عملهم بمصنع الأحذية، تحت قيادة الأخ الأكبر توماس، إلى أن جاء صيف عام 1895 ببشائر سيئة لمصنع الأحذية، حيث عانى المصنع من مشكلات مالية وديون لا حصر لها، ولكن الأخوة الثلاثة لم يتوقفوا أمام هذه المشكلة، ففكروا فى طريقة جديدة للخروج من المأزق من خلال ابتكار جديد في الصناعة التي برعوا فيها، تتلخص فكرته فى صناعة الأحذية من «الخيش» جنبًا إلى جنب مع الجلد، فكان أول منتجاتها المصنوعة من الجلد والخيش «باتوفكى»، والذى صُنع خصيصًا للعمال، نظرًا لتمتعه بالبساطة فى التصميم بالإضافة إلى وزنه الخفيف وسعره الزهيد.

انتعاشة مستحقةومع بداية الحرب العالمية الأولى، عام 1914 انتعشت صناعة الأحذية، وخصوصًا الأحذية العسكرية التي زاد الطلب عليها لتلبية احتياجات الجنود في ميادين الحرب، مما دفع الأخوة الثلاثة إلى زيادة عدد العمال فى الفترة ما بين عامي 1914 و1918.وتحت شعار «باتا تحطم الأسعار»، لجأت «باتا» إلى تخفيض أسعار منتجاتها بنسبة كبيرة وصلت إلى 50%، نظرًا للكساد العالمى الذى تلى الحرب العالمية الأولى، وكعادة المستهلكين اتجه الكثيرون إلى شراء الأحذية من المصنع بعد التخفيضات والتى وصفوها آنذاك بـ «الرائعة»، مما أفلس معظم المنافسين بسبب تراجع الطلب على منتجاتهم، وبالتالى زادت أسهم مصنع «باتا»، ما أدى إلى زيادة خطوط الإنتاج وعدد العمال.

خارج الحدود ومع زيادة النجاح الذى حققه المصنع فى جمهورية التشيك، موطنه الأصلى، قرر توماس باتا تحويل المصنع المحلى إلى شركة عالمية، تمتلك العديد من الفروع حول العالم، إلى أن أصبح هيكل الشركة يحتوى على 3 فروع، هم: «باتا اوروبا» ومقرها إيطاليا، «باتا الأسواق الناشئة- آسيا ودول المحيط الهادى ودول أمريكا اللاتينية» ومقرها سنغافورا، بالإضافة إلى «باتا للأحذية المهنية والصناعية» فى هولندا.كما أنشأ توماس باتا فروع للشركة فى العالم العربى مع بداية ثلاثنيات من القرن الماضى، ففى عام 1932 تم فتح فرع شركة «باتا»، فى العاصمة العراقية بغداد، وبجانب الفرع تم افتتاح مصنعًا، لكن تم تأميم الفرع وإغلاق المصنع فى عام 1964، مع بداية الانتداب البريطانى في العراق.وكان للسودان نصيبًا من أفرع الشركة فى العالم العربى، فى بداية الستنيات، وتحديدًا فى العاصمة، الخرطوم، بينما كانت «باتا» الماركة الأشهر فى موريتانيا، ولكن ظل لمصر نصيب «الأسد» من فروع الشركة فى العالم العربى نظرًا لاتساع حجم السوق الإستهلاكى فى القاهرة وضواحيها.

باتا فى مصردخلت أحذية «باتا» مصر في ثلاثنيات القرن الماضى، ونشأت علاقة ودية بين منتجاتها المختلفة وبين الأسرة المصرية، فكانت احذية باتا هى الخيار الأول دائمًا نظرًا لجودة الأحذية ومتانتها التى لا تخلو من الأناقة، بالإضافة إلى أسعارها المتوسطة، حيث كانت فى متناول الفقير والغنّى، بالإضافة إلى الإختراع الجديد الذى أدخلته «باتا» إلى عالم الأحذية، وهو «اللبيسة» التى كانت تُرافق كُل حذاء جديد يخرج من محلات «باتا» فيسهل على المستهلك إرتداء الحذاء بسهولة شديدة.ولم تكتفى الشركة بمصنع واحد فى القاهرة في شارع عماد الدين، بل أسست فروعاً آخرى في المحافظات، وشملت الاسكندرية في شارع شريف باشا، وبورسعيد في شارع الأمير فاروق، وأخيرًا المنصورة بالسكة الحديد.

وفاة المؤسسوفى أوج نجاح فروع الشركة في مصر، توفي صاحب شركة الأحذية «باتا»، عام 1932، عن عُمر يناهز 56 عام، في حادث اثناء اقلاع طائرته فى طقس سئ من مطار زلين، وبوفاته انتقلت ادارة الشركة إلى اخيه وابنه توماس جون باتا، والذى قاد الشركة خلال القرن العشرين مُسترشدًا بكلمات والده: «لا يجب اعتبار شركة باتا للأحذية كمصدر للثراء الشخصى، وإنما كمؤسسة عاملة أو كوسيلة لتحسن معايير الحياة ضمن المجتمع ولتوفير سلع جيده للمستهلكين مقابل ما يدفعون».

تحت التأميموفي الوقت الذي كانت فيه «باتا مصر» في أوج نجاحها، أعلن الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر تأميم الشركة في مصر عام 1961، لتنفصل «باتا مصر» عن الشركة الأم فى التشيك مع احتفاظها بالاسم التجاري «باتا» رغم عدم أحقيتها في ذلك.
وبعد تأميم شركة باتا فى مصر، استمرت الفروع فى عملها على أمجاد اسم «باتا» والنجاح الذى حققه الأخوة الثلاثة فى جميع دول العالم، وصُنفت كإحدى الشركات التابعة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية، وتعمل في إنتاج وتوزيع الأحذية. ربمّا بشهرة وجودة أقل ولكنها مازالت تعمل رغم المشكلات المتتالية التى تتعرض لها أفرع الشركة فى مصر.
وفى عام 2006 أعلنت الشركة القابضة القابضة للصناعات الكيماوية، عن خطة لإعادة هيكلة شركة «باتا» والوصول بها إلى نقطة التوازن بعد فشل مفاوضاتها مع الشركة الأم، لطلبها تعويضاً عن التأميمات التي لحقت بفروعها في مصر عام 1961.

تراجع وخسائرونظرًا للظروف الصعبة التى مرّت بها الشركة والخسائر المتكررة التى لاحقتها، قامت الشركة القابضة بتقليص الأنشطة التجارية للشركة عن طريق الاستغناء عن الفروع الخاسرة، وإتاحة الفرصة أمام العاملين للخروج على المعاش المبكر، وبيع بعض خطوط الإنتاج التي لا يتوقع أن يحقق تشغيلها أي ربحية.كما أقرضت القابضة شركة «باتا» 6.7 مليون جنيه لشراء مجموعة من الآلات المتطورة ولم يترتب علي ذلك أي تغيير جذري في أداء الشركة، وتمت تصفية 186 فرعا منذ عام 1996 ولم يتبق سوي 126 فرع.وبحلول عام 2012، دخل المئات من عمال شركة «باتا» للأحذية فى إضراب مفتوح، داخل مقر الشركة بمنطقة القبارى، احتجاجًا على معاملة الإدارة السيئة لهم والقرارات التعسفية وعدم الاستجابة لمطالبهم، وأبرزها، زيادة الحافز أسوة بشركة الكيماويات، ومن بعدها استجابت الشركة لمطالب العُمال، لتستمر الشركة في العمل بعد أن خسرت مجدها القديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق